الهجرة النبوية

الهجرة النبوية هي حدث تاريخي وذكرى ذات مكانة عند المسلمين، ويقصد بها هجرة النبي محمد Mohamed peace be upon him.svg وأصحابه من مكة إلى يثرب والتي سُميت بعد ذلك بالمدينة المنورة؛[1] بسبب ما كانوا يلاقونه من إيذاء من زعماء قريش، خاصة بعد وفاة أبي طالب،[2] وكانت في عام 1هـ، الموافق لـ 622م، وتم اتخاذ الهجرة النبوية بداية للتقويم الهجري، بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب بعد استشارته بقية الصحابة في زمن خلافته،[3] واستمرت هجرة من يدخل في الإسلام إلى المدينة المنورة، حيث كانت الهجرة إلى المدينة واجبة على المسلمين، ونزلت الكثير من الآيات تحث المسلمين على الهجرة، حتى فتح مكة عام 8 هـ.[4]

تمهيد

الخروج إلى الطائف

جبال مدينة الطائف.

بعدما اشتد الأذى من قريش على النبي محمد Mohamed peace be upon him.svg وأصحابه بعد موت أبي طالب، قرر النبي محمد الخروج إلى الطائف حيث تسكن قبيلة ثقيف يلتمس النصرة والمنعة بهم من قومه ورجاء أن يسلموا،[5] فخرج مشيًا على الأقدام،[6] ومعه زيد بن حارثة، وذلك في ثلاث ليال بَقَيْن من شوال سنة عشر من البعثة (3 ق هـ)،[7] الموافق أواخر مايو سنة 619م،[6] فأقام بالطائف عشرة أيام[8] لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فلم يجيبوه، وردّوا عليه ردًا شديدًا،[9] وأغروا به سفهاءهم فجعلوا يرمونه بالحجارة حتى أن رجليه كانتا تدميان وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى جُرح في رأسه،[7] وانصرف النبي محمد وعاد إلى مكة.[10]

عرض النبي نفسه على قبائل العرب

أخذ النبي يتبع الحجاج في منى، ويسأل عن القبائل قبيلة قبيلة، ويسأل عن منازلهم ويأتي إليهم في أسواق المواسم، وهي: عكاظ، ومجنة، وذو المجاز، فلم يجيبه أحد.[11] فعن جابر بن عبد الله قال:[12] «كان النبي Mohamed peace be upon him.svg يعرض نفسه على الناس في الموقف ويقول: ألا رجل يعرض عليّ قومه، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي»، وذكر الواقدي أنه أتى بني عبس وبني سليم وغسان وبني محارب وبني نضر ومرة وعذرة والحضارمة، فيردون عليه أقبح الرد، ويقولون: «أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك».[11]

بيعة العقبة الأولى

منطقة منى، والتي التقى عندها محمد بستة من الخزرج فكانت بداية لسلسلة لقاءات انتهت بالهجرة إلى المدينة المنورة.

وبينما كان النبي يعرض نفسه على القبائل عند "العقبة" في منى، لقي ستة أشخاص من الخزرج من يثرب، هم: أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وقُطبَة بن عامر بن حديدة، وعُقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله»،[13] فدعاهم إلى الإسلام، فقال بعضهم لبعض «يا قوم، تعلموا والله إنه للنبي توعدكم به يهود، فلا تسبقنّكم إليه». وقد كان اليهود يتوعدون الخزرج بقتلهم بنبي آخر الزمان. فأسلم أولئك النفر، ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم.[14] فلما قدموا المدينة ذكروا لقومهم خبر النبي محمد، ودعوهم إلى الإسلام، حتى فشا فيهم فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكرٌ من النبي محمد.[13] حتى إذا كان العام المقبل، وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلًا، فلقوه بالعقبة في منى، فبايعوه، فكانت بيعة العقبة الأولى.[13]

إسلام الأنصار

بعث النبي مصعب بن عمير مع من بايعوه من يثرب، يُقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام. فأقام في بيت أسعد بن زرارة يدعو الناس إلى الإسلام، ويصلي بهم. فأسلم على يديه سعد بن عبادة وأسيد بن حضير وهما يومئذٍ سيدا قومهما من بني عبد الأشهل، فأسلم جميع قومهما بإسلامهما، ثم أسلم سعد بن معاذ، وانتشر الإسلام في يثرب، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد، وخطمة، ووائل، وواقف.[14]

بيعة العقبة الثانية

منظر عام للمدينة المنورة قديمًا.

رجع مصعب بن عمير إلى مكة، وخرج ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان من الأنصار في موسم الحج،[15] وقالوا له «يا رسول الله نبايعك؟» فقال لهم:[16] «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة»، فبايعوه رجلًا رجلًا بدءًا من أسعد بن زرارة وهو أصغرهم سنًا.[17] فكانت بيعة العقبة الثانية وقد كانت في شهر ذي الحجة قبل الهجرة إلى المدينة بثلاثة أشهر،[18] الموافق (يونيو سنة 622م)، ثم قال لهم: «أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم بما فيهم»، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وقال للنقباء: «أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي».[15]

الإذن بالهجرة

لما اشتد البلاء على المسلمين في مكة بعد بيعة العقبة الثانية، أذنَ مُحمد لأصحابه بالهجرة إلى المدينة المنورة، وأمرهم باللَحاقِ بِإخوانهم من الأنصار،[19] فعن عائشة أنها قالت:[20][21]

الهجرة النبويةقال رسولُ اللهِ Mohamed peace be upon him.svg وهو يومئذٍ بمكةَ: «قد أُرِيتُ دار هجرتكم، رأيتُ سَبْخَةً ذاتِ نخلٍ بين لابتين» وهما الحَرَّتَانِ، فهاجرَ من هاجر قِبَلَ المدينةِ حين ذكر ذلك رسولُ اللهِ Mohamed peace be upon him.svg، ورجع إلى المدينةِ بعضُ من كان هاجرَ إلى أرضِ الحبشةِ، وتجهَّزَ أبو بكرٍ مهاجرًا ، فقال لهُ رسولُ اللهِ Mohamed peace be upon him.svg: «على رِسْلِكَ ، فإني أرجو أن يُؤْذَنَ لي» قال أبو بكرٍ: «هل ترجو ذلك بأبي أنت ؟» قال: «نعم» فحبسَ أبو بكرٍ نفسَهُ على رسولِ اللهِ Mohamed peace be upon him.svg ليَصْحَبَهُ ، وعلفَ راحلتينِ كانتا عندَهُ ورقَ السَّمُرِ أربعةَ أشهرٍ .الهجرة النبوية

وذكر ابن إسحاق:[19] «أن رسول الله Mohamed peace be upon him.svg قال «إن الله قد جعل لكم إخوانًا ودارًا تأمنون بها» فخرجوا إليها أرسالًا».

هجرة الصحابة إلى المدينة

خريطة توضح مسار الهجرات إلى المدينة المنورة وإلى الحبشة.

بعد الإذن بالهجرة بدأ الصحابة يخرجون إلى يثرب ويُخفون ذلك، فكان أول من قدِم إليها أبو سلمة بن عبد الأسد، ثم قدِم المسلمون أرسالًا فنزلوا على الأنصار في دورهم فآووهم ونصروهم، ولم يبقَ بمكة منهم إلا النبي محمد وأبو بكر وعلي بن أبي طالب، أو محبوس، أو ضعيف عن الخروج.[22] وأخذ المسلمون يغادرون مكة متسللين منها خفية، فرادى وجماعات، خشية أن تعلم قريش بأمرهم فتمنعهم من ذلك، تاركين وراءهم كل ما يملكون من بيوت وأموال وتجارة، فرارًا بدينهم وعقيدتهم.[23]

هجرة آل أبي سلمة

كان أول من هاجر إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد،[24] وكانت هجرته إليها قبل بيعة العقبة الثانية بسنة لأن قريشًا آذته بعد مرجعه من الحبشة فعزم على الرجوع إليها، ثم بلغه إسلام بعض أهل يثرب فعزم على الهجرة إليها، فلما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة، قام رجال من بني المغيرة (قوم أم سلمة) بمنع زوجته أم سلمة من الهجرة معه، ومنع بنو عبد الأسد (قوم أبي سلمة) ابنه من الهجرة معه،[25] تقول أم سلمة: «فكنت أخرج كل غداة فأجلس في الأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي حتى مرَّ بي رجل من بني عمي أحد بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون من هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها، فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت.»، فأخدت ولدها وارتحلت إلى يثرب، حتى لقيت عثمان بن طلحة بالتنعيم فأوصلها إلى يثرب.[19]
ثم توالت هجرة الصحابة بعد أبي سلمة، فهاجر عامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبي حثمة،[11] ثم عبد الله بن جحش، وأخوه أبو أحمد بن جحش، ونزلوا بقباء على مبشر بن عبد المنذر.[19]

عمر بن الخطاب أول من هاجر علانيةً

هجرة عمر بن الخطاب

رُوي أن عمر بن الخطاب لما هاجر، لم يهاجر متخفيًا،[11] بل تقلد سيفه ووضع قوسه على كتفه وحمل أسهمًا، وذهب إلى الكعبة حيث طاف سبع مرات، ثم توجه إلى مقام إبراهيم فصلى، ثم قال لحلقات قريش المجتمعة: «شاهت الوجوه، لا يُرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده أو يُرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي».[26] فلم يتبعه أحد منهم،[27][28] ثم مضى إلى يثرب ومعه ما يقارب العشرين شخصًا من أهله وقومه، منهم أخوه زيد بن الخطاب، وعمرو بن سراقة وأخوه عبد الله، وخنيس بن حذافة، وابن عمه سعيد بن زيد، ونزلوا عند وصولهم في قباء عند رفاعة بن عبد المنذر، وكان قد سبقه مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وبلال بن رباح وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر.[19]

هجرة صهيب بن سنان الرومي

ذكر ابن هشام:[19] أن صُهيبًا حين أراد الهجرة قالت له قريش: «أتيتنا صعلوكًا حقيرًا فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك.»، فقال لهم صهيب: «أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟» قالوا: «نعم» قال: «فإني قد جعلت لكم مالي» فبلغ ذلك رسول الله فقال: «ربح صهيب، ربح صهيب».[29]

أحداث الهجرة النبوية

ظل محمدٌ بمكة ينتظر أن يُؤذَن له في الهجرة ولم يتخلف معه بمكة، إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر، وكان أبو بكر الصديق يستأذنه بالخروج إلى المدينة المنورة، ولكن كان يقول له: «لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبًا»، فأراد أبو بكر أن يكون النبي صاحبه.[30]

تخطيط اسم علي بن أبي طالب، وهو من بات في فراش النبي محمد ليلة الهجرة

ليلة هجرة النبي

لما رأت قريش خروج المسلمين، خافوا خروج النبي محمد، فاجتمعوا في دار الندوة، واتفقوا أن يأخذوا من كل قبيلة من قريش شابًا فيقتلون محمدًا فيتفرّق دمه بينَ القبائل.[22] فأخبر جبريل محمدًا بالخبر وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة، فأمر محمد عليًا أن يبيت في فراشه بدلا منه ويتغطى ببرده الأخضر ليظن الناس أن محمدا نائم في فراشه. واجتمع أولئك النفر عِند بابه، لكنه خرج من بين أيديهم لم يره منهم أحد، وهو يحثوا على رؤوسهم التراب تاليًا: Ra bracket.png وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ Aya-9.png La bracket.pngسورة يس:9،[30][31] فلما أصبحوا ساروا إلى علي يحسبونه النبي، فلما رأوا عليًا، فقالوا: «أين صاحبك؟»، قال: «لا أدري»، فنزلت الآية : Ra bracket.png وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ Aya-30.png La bracket.png،[19][32] وقيل أن هذه الليلة كانت يوم السبت وهو غير ثابت.[33]
وكان محمدٌ قد أمر عليًا أن يؤدي الأمانات إلى أهلها ففعل، حيث كان أهل قريش يضعون أماناتهم عند محمد. وكانوا في مكة يعلمون أن عليًا يتبع محمدًا أينما ذهب، لذا فإن بقاءه في مكة بمثابة تمويه لجعل الناس يشكون في هجرة النبي لاعتقادهم بأنه لو هاجر لأخذ عليًا معه، وبقي علي في مكة ثلاثة أيام حتى وصلته رسالة محمد عبر رسوله أبي واقد الليثي يأمره فيها بالهجرة للمدينة.[34]

غار ثور

غار ثور الذي اختبأ به محمد وأبو بكر في رحلة الهجرة، ماكثين فيه ثلاث ليال.
تخطيط لاسم أبي بكر الصديق رفيق النبي محمد في هجرته إلى المدينة المنورة.

جاء النبي إلى أبي بكر، وكان أبو بكر قد جهز راحلتين للسفر، فأعطاها النبي محمد لعبد الله بن أرَيْقِط، على أن يوافيهما في غار ثور بعد ثلاث ليالٍ، ويكون دليلًا لهما، فخرجا ليلة 27 صفر سنة 14 من البعثة النبوية، الموافق 12 سبتمبر سنة 622م، وحمل أبو بكر ماله كلّه ومعه خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف،[35] فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار ثور، وهو كهف في جبل بأسفل مكة فدخلاه. وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر، وأمر مولاه عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى في الغار، فكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش نهاره معهم، يسمع ما يأتمرون به وما يقولون في شأن النبي محمد وأبي بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر. وكان عامر بن فهيرة يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا، فإذا غدا عبد الله بن أبي بكر من عندهما إلى مكة اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم يعفي عليه.[19]

وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما، قالت أسماء: «ولما خرج رسول الله Mohamed peace be upon him.svg وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجتُ إليهم فقالوا: «أين أبوك يا ابنة أبي بكر؟»، قلت: «لا أدري والله أين أبي»، فرفع أبو جهل يده وكان فاحشًا خبيثًا، فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي ثم انصرفوا».[19] وقالت أسماء بنت أبي بكر: «لما خرج رسول الله Mohamed peace be upon him.svg وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كله معه: خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم، فانطلق بها معه، فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: «والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه»، قلت: «كلا يا أبت، إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا»، قالت: وأخذتُ أحجارًا فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت: «يا أبت ضع يدك على هذا المال»، قالت: فوضع يده عليه فقال: «لا بأس، إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم»، قالت: ولا والله ما ترك لنا شيئًا ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك».[19]

ولما وصلا إلى الغار قال أبو بكر للنبي: «والذي بعثك بالحق لا تدخل حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك»، فدخل وجعل يلتمس بيده كلما رأى جحرًا قال بثوبه فشقه، ثم ألقمه الجحر حتى فعل ذلك بجميع ثوبه، فبقي جحر، وكان فيه حية فوضع عقبه عليه، فلسعته وصارت دموعه تنحدر.[11]

مطاردة قريش للنبي

ذكر ابن هشام أن النبي وأبا بكر لما دخلا إلى غار ثور ضربت العنكبوت على بابه بعش،[36] فخرجت قريش في طلبه حتى وصلوا باب الغار، فقال بعضهم: «إن عليه العنكبوت قبل ميلاد محمد» فانصرفوا. وقصة العنكبوت والحمامتين قد ضعفها بعض المحدثين وحسنها بعضهم،[37] والذي ثَبت في صحيح مسلم قول أبي بكر الصديق:[38] «نظرتُ إلى أقدامِ المشركين على رؤوسِنا ونحن في الغارِ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ! لو أنَّ أحدَهم نظر إلى قدمَيه أبصَرَنا تحت قدمَيه، فقال: «يا أبا بكرٍ ! ما ظنُّك باثنَين اللهُ ثالثُهما»»

«ما أدري بأيهما أنا أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر»
النبي محمد[57]

عاد من تبقى من مهاجري الحبشة مع جعفر بن أبي طالب إلى المدينة؛ بعدما كتب النبي محمد إلى النجاشي أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وكان زوجها عبيد الله بن جحش قد مات في الحبشة.[48] وكتب إليه أيضًا أن يبعث إليه من بقي من أصحابه، فزوجه النجاشي أم حبيبة وأصدقها عنه أربعمائة دينار وحمل بقية أصحابه في سفينتين فوصلوا المدينة بعد غزوة خيبر عام 7 هـ.[48]

آخر من هاجر إلى المدينة

كان آخر من هاجر من مكة المكرمة هو العباس بن عبدالمطلب، فقد هاجر بأهله في رمضان في السنة الثامنة من الهجرة، وفي الطريق لقي النبي مع جيشه يريد فتح مكة بعد نقض قريش لصلح الحديبية، فواصل أهله الهجرة ورجع هو مع النبي.[58]

الهجرة وبداية التأريخ الهجري

التاريخ الهجري في متحف مدينة قونية التركية

كان النبي محمد قد أمر بالتأريخ بعد قدومه إلى يثرب، وقد حدث هذا التأريخ منذ العام الأول للهجرة، كان النبي يُرسل الكتب إلى الملوك والأمراء ورؤساء القبائل المختلفة بتاريخ الهجرة.[59]
وفي سنة 17 هـ اعتمد الخليفة عمر بن الخطاب التأريخ بداية من غرة شهر محرم من العام الأول للهجرة النبوية، ومما ذُكر في سبب اعتماد عمر للتاريخ أن أبا موسى كتب إلى عمر أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس، فقال بعضهم: «أرخ بالمبعث»، وبعضهم: «أرخ بالهجرة»، فقال عمر: «الهجرة فرقت بين الحق والباطل»، فأرخوا بها، فلما اتفقوا قال بعضهم: «ابدءوا برمضان»، فقال عمر: «بل بالمحرم فإنه منصرف الناس من حجهم»، فاتفقوا عليه.[60] وفي رواية أخرى أن أحدهم رفع صكًا لعمر محله شهر شعبان، فقال: «أي شعبان، الماضي أو الذي نحن فيه، أو الآتي؟ ضعوا للناس شيئًا يعرفون فيه حلول ديونهم»، فيُقال إنه أراد بعضهم أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك ملك أرخوا من تاريخ ولاية الذي بعده، فكرهوا ذلك، ومنهم من قال: «أرخوا بتاريخ الروم من زمان الإسكندر»، فكرهوا ذلك، وقال قائلون: «أرخوا من مولد رسول الله Mohamed peace be upon him.svg»، وقال آخرون: «من مبعثه عليه السلام»، وأشار علي بن أبي طالب وآخرون أن يؤرخ من هجرته من مكة إلى المدينة لظهوره لكل أحد فإنه أظهر من المولد والمبعث. فاستحسن ذلك عمر والصحابة، فأمر عمر أن يؤرخ من هجرة الرسول وأرخوا من أول تلك السنة من محرمها.[60]

انظر أيضًا

وصلات خارجية

المراجع

  1. ^ المكتبة الإسلامية، كتاب الجامع لأحكام القرآن، سورة الأحزاب، قوله تعالى: وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا تاريخ الوصول 13 يوليو نسخة محفوظة 10 مارس 2013 على موقع واي باك مشين.
  2. ^ البداية والنهاية/الجزء الثالث/فصل اجتراء قريش على رسول الله بعد وفاة عمه أبي طالب على ويكي مصدر
  3. ^ التأريخ الهجري، أحداث ومناسبات نسخة محفوظة 14 ديسمبر 2017 على موقع واي باك مشين.
  4. ^ أ ب معنى الهجرة ومتى تجب لمحمد الحسن ولد الددو الشنقيطي
  5. ^ السيرة النبوية، ابن هشام، ج2، ص266-269، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت، ط1990.
  6. ^ أ ب الرحيق المختوم، المباركفوري، ص100-101.
  7. ^ أ ب الطبقات الكبرى، ابن سعد البغدادي، ج1، ص210-212، دار صادر، بيروت.
  8. ^ الأنوار المحمدية من المواهب اللدنية، يوسف النبهاني، ص49-51، المطبعة الأدبية، بيروت، ط1892.
  9. ^ فقه السيرة النبوية، محمد سعيد رمضان البوطي، ص100-101، دار الفكر المعاصر، ط2006.
  10. ^ مسند أحمد، أحمد بن حنبل، ج4، ص235.
  11. ^ أ ب ت ث ج السيرة الحلبية/باب عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل من العرب أن يحموه ويناصروه على ما جاء به من الحق على ويكي مصدر
  12. ^ السلسلة الصحيحة للألباني (1947)
  13. ^ أ ب ت البداية والنهاية/الجزء الثالث/باب بدء إسلام الأنصار على ويكي مصدر
  14. ^ أ ب البداية والنهاية، ابن كثير، ج3، ص179-206.
  15. ^ أ ب البداية والنهاية/الجزء الثالث/قصة بيعة العقبة الثانية على ويكي مصدر
  16. ^ صحيح ابن حبان (6274)، السلسلة الصحيحة للألباني (1/133)
  17. ^ تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، الذهبي، ج1، ص297-309، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1987.
  18. ^ السيرة النبوية، ابن حبان، ص118.
  19. ^ أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س البداية والنهاية/الجزء الثالث/باب الهجرة من مكة إلى المدينة على ويكي مصدر
  20. ^ صحيح البخاري (2297)
  21. ^ مسند الإمام أحمد نسخة محفوظة 14 أبريل 2016 على موقع واي باك مشين.
  22. ^ أ ب ت الطبقات الكبرى، ابن سعد البغدادي، ج1، ص224-238، دار صادر، بيروت.
  23. ^ السيرة النبوية لابن هشام نسخة محفوظة 23 مايو 2017 على موقع واي باك مشين.
  24. ^ الطبقات الكبير جـ3، ص 220
  25. ^ تأملات في هجرة أبي سلمة ـ نسخة محفوظة 24 نوفمبر 2016 على موقع واي باك مشين.
  26. ^ سيرة حضرة عمر فاروق، محمد إلياس عادل، صفحة: 119
  27. ^ صحيح التوثيق في سيرة الفاروق، ص30.
  28. ^ الطبقات الكبرى، باب هجرة عمر وإخائه نسخة محفوظة 03 سبتمبر 2007 على موقع واي باك مشين.
  29. ^ الطبقات الكبير جـ3، ص 206
  30. ^ أ ب البداية والنهاية ـ الجزء الثالث ـ فصل في سبب هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة على ويكي مصدر
  31. ^ أ ب ت ث الروض الأنف، السهيلي، ج2، ص312-332.
  32. ^ الكامل في التاريخ نسخة محفوظة 13 يناير 2009 على موقع واي باك مشين.
  33. ^ في موضوعات ابن الجوزي (2/342):عن أبي هريرة عن النبي قال: «إنَّ يومَ السَّبتِ يومُ مكرٍ ومكيدةٍ . قالوا : ولم ذاك يا رسولَ اللهِ ؟ قال : إنَّ قريشًا أرادوا أن يمكروا فيه ، فأنزل اللهُ ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾»، وقال ابن الجوزي: حديث موضوع
  34. ^ المجالس السنية، الجزء الثاني 199[نسخة محفوظة 26 يونيو 2010 على موقع واي باك مشين.
  35. ^ أ ب السيرة النبوية، ابن هشام، ج2، ص236
  36. ^ أ ب ت ث ج السيرة النبوية، ابن هشام، ج3، ص5-24، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت، ط1990.
  37. ^ هل نسج العنكبوت على الغار وهل تروى تلك القصة، فتاوى إسلام ويب بتاريخ 11-1-2011 نسخة محفوظة 10 ديسمبر 2016 على موقع واي باك مشين.
  38. ^ صحيح مسلم، كِتَاب فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، بَاب مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رقم الحديث: 4396 نسخة محفوظة 03 أكتوبر 2016 على موقع واي باك مشين.
  39. ^ سورة التوبة، الآية: 40
  40. ^ البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، (3693)، واللفظ له، وأحمد بن حنبل (17627)، وابن حبان (6280)، والحاكم (4269)، والطبراني: المعجم الكبير (6617)
  41. ^ أ ب ت السيرة الحلبية/باب الهجرة إلى المدينة على ويكي مصدر
  42. ^ أم معبد الخزاعية 01/05/2006 قصة الإسلام نسخة محفوظة 09 يناير 2017 على موقع واي باك مشين.
  43. ^ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (5/455)
  44. ^ رواه الترمذي في سننه، رقم: 3618.
  45. ^ السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون، علي بن برهان الدين الحلبي، ج2، ص237، دار المعرفة.
  46. ^ أ ب في الطبقات الكبرى، ابن سعد البغدادي، ج2، ص6: «قدم رسول الله Mohamed peace be upon him.svg المدينة حين هاجر من مكة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، وهو المجتمع عليه».
  47. ^ السيرة النبوية، ابن هشام، ج3، ص135، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت، ط1990.
  48. ^ أ ب ت مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لمحمد بن عبد الوهاب باب:كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي يزوجه أم حبيبة
  49. ^ صحيح البخاري، كتاب مناقب الانصار، باب هجرة النبي Mohamed peace be upon him.svg إلى المدينة، رقم (3906)
  50. ^ أ ب ت ث الميقات الزمني لهجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فتاوى نسخة محفوظة 28 نوفمبر 2016 على موقع واي باك مشين.
  51. ^ صحيح البخاري (2783) عن عبد الله بن عباس، وصحيح مسلم (1864) عن عائشة
  52. ^ أ ب الهجرة ـ موقع إمام المسجد نسخة محفوظة 12 مارس 2016 على موقع واي باك مشين.
  53. ^ مقال :في عهد الهجرة النبوية ـ محمد الحاج ناصر
  54. ^ شرح صحيح مسلم ج:13 – ص :8.
  55. ^ فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية، جـ 6، صـ 39 نسخة محفوظة 04 يناير 2017 على موقع واي باك مشين.
  56. ^ تفسير ابن كثير، جـ 1، صـ 543، تفسير الآية 97 من سورة النساء نسخة محفوظة 07 مايو 2017 على موقع واي باك مشين.
  57. ^ المستدرك على الصحيحين (4308) نسخة محفوظة 07 فبراير 2016 على موقع واي باك مشين.
  58. ^ آخر المهاجرين من مكة إلى المدينة ـ فتاوى نسخة محفوظة 08 مارس 2017 على موقع واي باك مشين.
  59. ^ الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير. تاريخ الرسل والملوك، الجزء الثاني، صفحة: 110-114. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. دار المعارف - القاهرة (1960)
  60. ^ أ ب التأريخ الهجري أحداث ومناسبات. نسخة محفوظة 14 ديسمبر 2017 على موقع واي باك مشين.